مجموعة مؤلفين
164
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
هي اللّه من حيث هي موجدة لذاتها ، وهي العالم من حيث هي موجودة بذاتها . وعن وحدة الوجود تفرع مذهبه في الحب الإلهى ، ونشأ موقفه من مقومات الأخلاق ، فالأعيان مجرد صور يتجلى فيها اللّه ، وكل جميل مجلى للجمال الإلهى المطلق ، وكل محبوب مجلى للمحبوب الأعظم ، والحب إن تمكن من قلب صاحبه مثل له محبوبه حتى لا يرى إلا صورته ، ولا يسمع إلا حديثه ، وعندئذ لا يملك السالك المحب إلا أن يعمل بتعاليم محبوبه ، حبا له وكسبا لمرضاته ، لا خوفا من ناره ولا طمعا في نعيمه ، وهذا هو الحب الروحاني « 1 » وغايته أن يصير ذات المحبوب عين ذات المحب ، وذات المحب عين ذات المحبوب ، وفي هذا تقوم السعادة العظمى التي يستهدفها السالك إلى اللّه . المشكلة الأخلاقية في ضوء وحدة الوجود : كان لنظريته السالفة في وحدة الوجود أثرها الملحوظ في تصوره لمقومات المشكلة الأخلاقية ، وعلينا - لكي نتبين حقيقة ذلك - أن نعرض لمذهبه في الجبرية ومكان الإرادة الإلهية والإنسانية منه مع بيان علاقة هذا بموقفه من الخير والشر والثواب والعقاب ، وحقيقة الأحكام الخلقية على الأفعال الإنسانية ، وأن نعرف خلال ذلك مكان الإلزام الخلقي من مذهبه ، وكيف انتهى إلى رفع التبعة الأخلاقية عن الإنسان عامة ، والعارف المحب الواصل إلى اللّه بوجه خاص . نشأت عن نظريته في وحدة الوجود فلسفته الأخلاقية التي تدور في فلك جبريته الصارمة ، وهي ليست جبرية مادية كتلك التي صدرت عن وحدة الوجود الرواقية ، ولا تشبه جبرية غيره من المسلمين من أمثال الجهمية الذين افترضوا العالم مسيّرا بقوة عليا هي اللّه ، ولا تقارب رأى الأشعرية الذين يقولون إن اللّه هو خالق الإنسان وأفعاله ، ولكن مؤداها القول بأن القوانين المغروسة في جبلة الوجود قوانين إلهية طبيعية معا ، وهي التي تقرر مصير
--> ( 1 ) انظر خاصة الفتوحات المكية 2 : 335 وما بعدها .